• رئيس مجلس الإدارة
    د . محمد أحمد صالح
  • رئيس التحرير
    محمد طرابيه
قصة الفداء .. ودروس فى تربية الأبناء
 قصة الفداء .. ودروس فى تربية الأبناء

يحتفل العالم الإسلامى خلال الأيام القادمة بعيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا جميعا بالخير واليمن والبركات والأستقرار والأمن والأمان والرخاء .

ومع حلول هذا العيد العظيم الشأن عند الملسمين جميعاً , نتذكر جميعا قصة الفداء العظيم التى كان بطلها سيدنا ابراهيم عليه السلام وابنه سيدنا اسماعيل عليه , وقد اخترت هذه المناسبة لإلقاء الضوء على هذه القصة لأن بها الكثير من الدروس والعبر التى يمكن أن نتعلمها منها فى وقتنا الحاضر لاسيما ما يتعلق  بفن تربية الأبناء .

ولنبدأ بهذه القصة التى تعد الرمز الأعظم للفداء والتضحية   , حيث أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن قصة إسماعيل مع أبيه إبراهيم التي لأجلها تم افتداء إسماعيل بذبح عظيم كما قال تعالى (وفديناه بذبح عظيم) [الصافاتـ 107]، وهو ذبح عظيم لأنه فداء لإسماعيل وعظيم لأن إبراهيم ذبحه تقربا إلى الله، وهذه القصة هي أن نبي الله إبراهيم عليه السلام تأخر في الإنجاب جدا حتى أصبح شيخا كبيرا وليس له ذرية، ومن في سنه لا ينجب وقد بشرته الملائكة بأنه سيرزق بمولود، وكان الاستغراب لهذا الأمر شديدا من قبل زوجته فقالت (أَأَلًدُ وَأَنَاْ عَجُوز وَهَـذَا بَعْلًي شَيْخاً إًنَّ هَـذَا لَشَيْء عَجًيب) [هودـ72]، والشيخ يقال للرجل كبير السن.

ورزق الله إبراهيم الذرية فأنجب على كبر وسمى أحد أبنائه إسماعيل وذهب به وأمه إلى أرض مكة وكانت أرضا جرداء لا ماء ولا نبات (فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت) [رواه البخاري عن ابن عباس].

ولما نفد الماء وخافت أم إسماعيل على نفسها وعلى وليدها الصغير نزل جبريل وحرك الأرض فخرج الماء، وصدقت أم إسماعيل فالله متكفل برزق عباده ولا يضيع من توكل عليه، وكبر إسماعيل وأصبح غلاما يسعى مع أبيه في خدمته، قال تعالى (فلما بلغ معه السعي) وهنا رأى إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل لله، وهذه الرؤيا في المنام ورؤيا الأنبياء حق، وهي نوع من أنواع الوحي .

أبلغ إبراهيم ابنه بما رأى في منامه قال تعالى (قَالَ يَا بُنَيَّ إًنًّي أَرَى فًي الْمَنَامً أَنًّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) [الصافاتـ 102]، هكذا تم إخبار إبراهيم لابنه الذي أصبح غلاما وأصبح والده شديد التعلق به وأصبح حاضر المنفعة وبذلك سيصعب الفراق على إبراهيم، ولكنه الابتلاء الصعب، وهذا الولد كان قمة في الإيمان والبر بوالده والتسليم لحكم الله، فانظر إجابته لوالده، قال تعالى (قَالَ يَا أَبَتً افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجًدُنًي إًن شَاء اللَّهُ مًنَ الصَّابًرًينَ) [الصافاتـ 102]، أي امتثل أمر الله وهذه هي العبودية لله دونما اعتراض وعلق الصبر بالمشيئة فلم يمدح ويتباهى بأنه سيتحمل الذبح بل قال (إن شاء الله من الصابرين)، ولأنه لا يستطيع الصبر إلا بمعونة من الله وبمشيئته وبتقويته له.

ثم ذكر تعالى ما حصل فيما بعد، قال تعالى (فلما أسلما) استسلم الأب والابن لأمر الله وعقد العزم إبراهيم على ذبح ابنه لله، قال تعالى (وتله للجبين)، قال أهل التفسير: وطرحه على الأرض، وهنا تم افتداء إسماعيل، قال تعالى (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إًبْرَاهًيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إًنَّا كَذَلًكَ نَجْزًي الْمُحْسًنًينَ إًنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبًينُ وَفَدَيْنَاهُ بًذًبْح عَظًيم) [الصافات: 104ـ107]، والذبح كبش ذبحه إبراهيم عن إسماعيل.

هذه هى قصة الفداء العظيم والتى تناولها الكثير من الفقهاء وعلماء النفس والإجتماع بالدراسة والتحليل , وأكدوا أن هناك دروساً وعبراً كثيرة يمكن أن نستفيدها  منها  فى حياتنا المعاصرة :

ـ قوة إيمان إسماعيل مع صغر سنه، فمن تربى على الإيمان بالله والأخلاق الفاضلة ينشأ مطيعا لربه، مطيعا لوالديه، متحملا ما يترتب على هذه الطاعة من تعب ومشقة محتسبا الأجر على الله، ورادا لجميل ما فعله معه والداه وهو صغير.

ـ أهمية الصدق مع الله وأن الصدق سبب للنجاة فلما صدق إبراهيم عليه السلام مع ربه أبقى له ولده ورضي عنه.

ـ الاهتمام بتربية الأبناء، فهذا إسماعيل لما لم يترب على الترف والنعومة كان موقفه حازما، وكلامه بليغا وقويا يدل على التماسك وهو صغير في السن.

ـ أن الحياة ميدان ابتلاء واختبار قال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [الملكـ 2]، وعلى المؤمن أن يعد نفسه لهذا الابتلاء بالعلم النافع والإيمان بربه وأن يتحلى بالحلم والصبر ويسأل ربه السلامة من الفتن ويطلب من ربه أن ينجح في هذا الاختبار في هذه الدنيا.

فى هذا السياق كشف العلماء والمفكرون أن قصة الفداء يمكن أن تكون بمثابة دليل إرشادي لكل أسرة تنشد التميز التربوي فى تربية أبنائها :

 

1- وضوح الرؤية: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102]، فاسماعيل عليه السلام يعلم في صغره بأن رؤيا الأنبياء حق، وأن رؤيا الأنبياء في المنام من الوحي فقال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، يعني ما يأمرك الله به وهذا يفيد بأنه تلقى تربية إيمانية كاملة وواضحة من صغره.

 2- السمع والطاعة: فقد استسلم إسماعيل لطلب والده على الرغم من صعوبته {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103]، يعني استسلما لأمر الله عندما أخبره به، فألقاه إبراهيم علي وجهه حتى لا يشاهده أثناه ذبحه فيتأثر ويتراجع أثناء تنفيذ أمر الله تعالى.

 3- البديل السريع للبر والطاعة: عندما يطيع الإنسان ربه أو يطيع الابن والديه في أمر يكره فعله فإن الله يعوضهما خيرا {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:104-107]، فنال إبراهيم جائزة فورية نتيجة نجاحه في الاختبار العائلي، ونال إسماعيل كذلك جائزة فورية أخرى بنزول الكبش نتيجة بره لوالده. 4

- اعمل صالحًا وأترك أثرًا: فالعمل الصالح عمره طويل وأثره كبير ولهذا صارت قصة الذبح تاريخًا للناس ودينًا للبشرية، فصار أثر إبراهيم وابنه مستمرًا حتي قيام الساعة.

 5- الصداقة التربوية: يتضح من الحوار بين الأب وابنه أن العلاقة بين إبراهيم عليه السلام وولده علاقة قوية، وهي أكبر من علاقة والدية وإنما هي علاقة صداقة، وهذه يصعب تحققها في مرحلة المراهقة {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ويعني (بلغ السعي) أي صار يسعى ويمشي مع والده ويقضي معه حوائج الدنيا، ومن هنا نستدل على أن العلاقة كانت علاقة تجاذب لا تنافر بينهما.

 6- الحوار الناجح: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}، فعلى الرغم من أن إبراهيم عليه السلام تلقى أمرًا بالذبح من الله تعالى، إلا إنه استشار ابنه الصغير وأخذ رأيه بقوله (ماذا ترى؟!)، وهذه لفتة تربوية مهمة بأن نتحاور مع أبنائنا حتى في الأمور المسلمة والمفروضة التي أمرنا الله بها، لأن الأبناء وخاصة في سن المراهقة يرون الحوار معهم احترامًا وتقديرًا ولا يحبون ويكرهون الفرض والإجبار.

 7- الصبر على الأوامر الصعبة: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، فاسماعيل عليه السلام صبي لم يتجاوز عمره 15 سنة ومع ذلك يعرف معنى الصبر ويعيشه عمليًا ويستعين بربه ليعينه عليه، وهذا مؤشر لنجاح تربية بيت إبراهيم عليه السلام على الرغم من صعوبة المهمة والتكليف، فهو تربى على قيمتين الأولى الصبر والثانية الاستعانة بالله على استمرار الصبر.

8- الابتلاء العائلي: إِ {نَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات:106-109] لأن إبراهيم عليه السلام لم يرزق بولد حتي بلغ عمره 86 سنة، ثم رزق بإسماعيل الذي جاء بعد طول انتظار وهو ولده الوحيد، فلما جاء وتعب على تربيته أمره الله بذبحه، والأصعب من هذا الأمر أن يكون الذبح بيد أبيه الذي انتظره 86 سنة، فهذا بلاء أسري عظيم، فلما نجح بالاختبار والابتلاء جازاه الله بمكافأة عظيمة فأنزل له كبش عظيم، وصارت سنة للمسلمين إلى قيام الساعة حتى يتعلموا معاني الصبر على البلاء والسمع والطاعة لأوامر الله.

9- الفرج بعد الشدة: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} وهذه هي سنة الحياة بأن العاقبة للمتقين وأن النصر يأتي مع الصبر والفرج بعد الشدة وأن مع العسر يسر، وقيم كثيرة نتعلمها من قصة إبراهيم وإسماعيل، وقد وصف الله إبراهيم وإسماعيل بأنهما محسنين، والمحسن هو المخلص في عمله المراقب لربه والمتقن لصنعته والباذل للمعروف والخير ولهذا هو يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فيستشعر أن الله يراه. 10

- كرم الله عظيم: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:111، 112]، فمن يصبر على أوامر الله الصعبة فإن الله يغدق عليه بكرمه أكثر مما يطلبه الإنسان، فكان من كرم الله تعالي أن رزقه بولد آخر نتيجة صبره وطاعته ونجاحه بالاختبار، ليسعده وتقر عينه بولد آخر وهو إسحاق عليه السلام. 11

- نزول البركة بسبب الطاعة: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113]، وبعد الكرم الإلهي بارك الله في إبراهيم عليه السلام وذريته بسبب طاعته ونجاحه بالاختبار العائلي، فبارك بذرية إسماعيل وكان منها رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم وكذلك بارك في ذرية إسحاق فكان منها نبي الله يعقوب ويوسف عليهما السلام، وهذا كله جزاء النجاح في اختبار الذبح. 12

- عصيان أكبر عدو: وهو الشيطان الذي كان يحاول منع تنفيذ مشروع الذبح حتى يسقط إبراهيم عليه السلام بالاختبار، ولكنه رجمه وعصى أمره ففاز وصار خليل الرحمن.

تعليقات الزوار