• رئيس مجلس الإدارة
    د . محمد أحمد صالح
  • رئيس التحرير
    محمد طرابيه
الحال المايل داخل قطارات الغلابة فى مصر
الحال المايل داخل قطارات الغلابة فى مصر

157 عامًا على القضبان، منظومة يحركها 1800 من القطارات تعمل على خطوط السكك الحديدية في مصر ذهابًا و إيابًا تقطع مسافة حوالي 135000 كم، حيث يبلغ حجم نقل الركاب بالسكك الحديدية ما يقرب من 1.4 مليون راكب يوميًا ليبلغ نصيب الهيئة القومية لسكك الحديدية المصرية من نقل الركاب أكثر من 30% من إجمالي حجم النقل علي المستوى القومي.

هذه الأرقام والحقائق كشفتها دراسة مهمة للغاية صدرت عقل حادث تصادم قطارى الإسكندرية والذى أسفر عن وفاة 49 شخصاً واصابة أكثر من 150 آخرين .. الدراسة أعدها  الباحث عبدالله المصرى بعنوان " القطارات في مصر و فرائض التطوير الغائبة " .

  الدراسة كشفت أن  مصر  كانت أول دولة في الشرق الأوسط تعرف القطارات كما كانت ثاني دولة في العالم تعرف هذه الوسيلة للنقل بعد بريطانيا، وبدأ التفكير في هذا المشروع قبل حفر قناة السويس بهدف إيجاد وسيلة حديثة لربط البحرين الأحمر والمتوسط حيث كانت سفن البضائع القادمة من آسيا تفرغ حمولتها في السويس لتنقلها الجمال بعد ذلك برًا إلى السفن الراسية في ميناء الأسكندرية على البحر المتوسط؛ الوضع الذي دفع الخديوي عباس الأول إلى التفكير في إقامة خطوط سكك حديدية تربط بين الأسكندرية والسويس، وفي عام 1851 دخل في مفاوضات مع روبرت ستفنسون لإقامة الخط على أن يبدأ بمد خط من القاهرة إلى الأسكندرية.

وجرى العمل في هذا المشروع عام 1852 وانتهت المرحلة الأولى منه حتى مدينة كفر الزيات في منتصف المسافة بين القاهرة والأسكندرية عام 1854 حيث كانت الرحلة تبدأ من القاهرة بالقطار وتنتهي في كفر الزيات لتستكمل الرحلة بعدها بالجمال والعربات التي تجرها الخيول. وبعد ذلك استكمل بناء الخط حتى الأسكندرية ثم من القاهرة إلى السويس.

عراقةُ؛ جعلت الهيئة القومية لسكك حديد مصر وهي إحدى القطاعات الخدمية بوزارة النقل والمواصلات عضوًا عاملًا في الاتحاد العربي للسكك الحديدية وفي لجنتة الدائمة وكذلك عضوًا في اتحاد سكك حديد آسيا والشرقين الأوسط والأدنى، كما أنها عضو عامل في الاتحاد الغربي للسكك الحديدية، و تتابع المؤتمرات الدولية الدورية لهذة الاتحادات وتشارك بأبحاثها واقتراحاتها بصفة مستمرة فيها وفي التجمعات الدولية المشابهة سعيًا إلى الاحتكاكات المفيدة مع غيرها من القطاعات المماثلة.

وعلى الرغم من عراقتها إلا أنه مع محاولة تحديد وتحليل كفاءتها خلال خمس سنوات أشارت النتائج إلى وقوع 59 حادثة خلال تلك الفترة أي بمعدل 7.10 حادثة سنويًا لتكون عدد ضحاياها أكثر من 6 آلاف سنويًا واستأثر خط القاهرة – الإسكندرية علي نسبة 41% منها؛ وقد وجد أن 8.11% من الحوادث كانت نتيجة اصطدام قطارين ببعضهما، ونسبة 3.28% نتيجة سوء إدارة مزلقانات السكك الحديدية، و9.18% بسبب خروج القطار عن القضبان أدت في معظمها إلى انقلابه، و32% بسبب العبور الخاطئ من أماكن غير قانونية، و5% بسبب سقوط الركاب من القطار.

تظهر تلك الإحصائيات في ظل عالم يسيطر على تفكيره نظام (سكاي تران) والذي يعتبر مثالًا واعدًا لفكرة خطوط الحديد المعلقة؛ إذ يتشكل من مجموعة قاطرات تُشبه الكبسولات الصغيرة، تتحرك على قضبان مُعلقة على ارتفاع 20 قدم، يتميز النظام بالكفاءة المرتفعة، والسرعة العالية التي تصل إلى 155 ميلًا في الساعة؛ ما يجعله قادرًا على تحويل رحلة مدتها ساعتان بالسيارة إلى 10 دقائق، حسبما صرَّح (جيري ساندرز) الرئيس التنفيذي للشركة. وقد أضاف ساندرز أيضًا أن مسارات ومحطات (سكاي تران) صغيرة بما يكفي لبنائها في أي مكان تقريبًا بما في ذلك داخل مباني المكاتب والمطارات، وقد أعلنت الشركة عزمها إطلاق أول مسار لها من خطوط القطارات الأحادية، في ‹‹لاغوس بنيجيريا›› بحلول عام 2020،  كما تخطط لجلب النظام إلى بلدان أخرى قريبًا.

الأمر الذي يجعل المصريين في حيرة من أمرهم ففي ظل عالم يخطط لقطارات فائقة السرعة، لايزال المصري يفكر في كيفية نجاته من الموت إذا ركب القطار؟!

 

الواقع المرير لقطارات الغلابة

  تظهر سلبيات قطارات السكك الحديدية المخصصة للفقراء في مصر، بسبب سوء نظافتها وأبوابها المعطلة ونوافذها المحطمة، واختفاء عمال النظافة أثناء الرحلة بالإضافة إلى تأخر القطارات عن المواعيد المحددة، إضافةً إلى المشكلات الفنية التي تعاني منها السكك الحديدية في مصر، وكان في مقدمة تلك المشكلات الاعتماد علي الخطوط الطولية ذات الحوامل المتصلة التي أنشأت عام 1851  بفكرة من الخديوي عباس الأول، بخلاف ما يتبعه معظم دول العالم من تأسيس سكك حديدية بالخطوط ذات الروابط (التقاطعية) التي تتصف بضخامة نفقاتها المادية في صيانتها.

كذلك يتم الاعتماد على نظام الإشارات الميكانيكية بنسبة 85% المعروف بانخفاض مستوي الأمان بالمقارنة بنظام الإشارات الكهربائية، ويرجع ذلك بسبب تعطل الإشارات الإلزامية لسائقي القطارات للتوقف وضمان سلامة المرور علي هذه السكك، وتعد الإشارات أهم المشكلات التي تتسبب في عدد كبير من حوادث الطرق، التي تعمل بالمراقبة الميكانيكية و تحتاج لمتابعة دورية لإقفال المحطة وإعطاء إشارة مناسبة لحركة القطار حال نسيان قفل المفاتيح اللازمة ستمتنع الإشارة آليًا.

  كيف طورت أوروبا قطاراتها؟

 في الأول من يونيو  2016، افتُتِح نفق السكك الحديدية الأكثر طولًا وعمقًا في العالم، في جبال الألب بسويسرا، بعد قرابة عقدين كاملين من أعمال البناء والتشييد، حيث تمت المصادقة على هذا المشروع العملاق، بتكلفته البالغة أكثر من 12 مليار دولار، من قبل الناخبين السويسريين في استفتاء جرى خلال عام 1992، وأيد المصوتون اقتراح شهير من الجماعات المدافعة عن البيئة، لنقل جميع البضائع التي تسافر عبر سويسرا باستخدام السكك الحديدية، بدلًا من الطرق البرية الخاصة بالشاحنات.

تجاوز طول النفق الجديد، بعد افتتاحه بشكل رسمي، نفق (سيكان) الياباني للسكك الحديدية، البالغ طوله 53.9 كيلومترًا، ليصبح النفق الياباني في المرتبة الثانية، باعتباره أطول أنفاق العالم الصناعية، وتحول نفق بحر المانش، وطوله 50.5 كيلومترًا، الرابط بين بريطانيا وفرنسا أسفل بحر المانش، من المركز الثاني إلى المركز الثالث.

بعد اكتمال إنشاء النفق، أصبح يمر أسفل مسافة قدرها 2.3 كيلومتر من الجبال التي تعلوه، هذه الجبال تضغط على النفق بقوة هائلة وبكتلتها بالغة الضخامة، لتتسبب في الأحوال العادية في هدمه تمامًا. من هنا كان لابد لمهندسي المشروع من حل مبتكر، وكان الحل هو تثبيت حلقات ضخمة من الصلب، في مناطق متكررة بطول النفق، بهدف منع انهياره نتيجة هذا الضغط الهائل.

ويمر النفق خلال صخور تصل درجة حرارتها في هذه المنطقة إلى 46 درجة مئوية، ولذلك كان لزامًا على المهندسين القيام بعمليات الحفر والتفجير في 73 نوعًا مختلفًا من أنواع الصخور، البعض منها من الصخور الصعبة بالغة الصلابة مثل الجرانيت، صخور يصعب الحفر خلالها، وبعضها كان لينًا وناعمًا بشدة كما لو أنها (قطع سكر عملاقة)، ما تسبب في مشكلات عديدة للمهندسين، حتى تمكنوا من تثبيت الخرسانة الخاصة بالنفق فيها، على الرغم من لينها.

وجرت عمليات الحفر بشكل كامل، بعدما أخرج المهندسون والعمال حوالي 28 مليون طن من الصخور، وقاموا بتفتيتها بعد ذلك، للمساعدة في إنتاج الخرسانة المستخدمة لبناء النفق، هذا الأمر وفر بالطبع الكثير من الأموال الخاصة بعمليات نقل بعض المواد الداخلة في تكوين الخرسانة، من مناطق أخرى عبر سويسرا.

 الرائع أيضًا أنه جرى الانتهاء من إنشاء النفق في حدود الوقت المقدر مسبقًا، وبلا تخطٍّ لحدود الميزانية المعتمدة له، ويتميز بأنه مسطح ومباشر، بدلًا من المرور عبر الجبال بشكل حلزوني، مثل نفق وطريق السكك الحديدية القديم الذي جرى افتتاحه عام 1980.

ويتوقع أن يمر عبر هذا النفق 260 قطار شحن بضائع، و65 قطارًا للركاب كل يوم، خلال رحلة لن تطول عن 17 دقيقة لا غير، باعتبارها مدة كافية تمامًا للقطارات لقطعه، ويتم توفير تكاليف النفق بعد تشغيله ومبالغ صيانته المستمرة، عبر الضرائب على الوقود، وضرائب القيمة المضافة، وعبر رسوم الطريق للشاحنات الكبيرة، بالإضافة إلى قروض الدولة المتوقع إتمام سدادها في غضون 10 سنوات.

وتقول سويسرا إن هذا النفق سيحدث ثورة كبيرة في عمليات نقل البضائع الأوروبية، فالبضائع التي تنقل حاليًا باستخدام الشاحنات الضخمة، البالغ عددها حوالي مليون شاحنة سنوية، ستنقل الآن عبر القطارات، من خلال هذا النفق.

وفي حديث بالقرب من المدخل الشمالي للنفق، قال الرئيس الاتحادي السويسري، يوهان شنايدر آمان، في كلمة وجهها للضيوف خلال عملية الافتتاح، إن هذا النفق يعد خطوة عملاقة، ليس فقط لسويسرا، ولكن أيضًا لجميع الجيران الأوروبيين.

خطوة عملاقة أقبلت عليها مصر منذ 157 عامًا لنفس السبب ألا وهو التجارة لتصبح سويسرا صاحبة العهد الحديث الأولى عالميًا ومصر تبكي على من يصارع الموت في القطارات يوميًا، لتصبح الحاجة لتطوير قطاع السكك الحديدية أكثر إلحاحا في ظل دور بالغ الأهمية لقطاع النقل لتحريك النمو الاقتصادي وزيادة حجم التجارة المتدفقة المنقولة عبر السكك الحديدة، سواء نقل المواد الخام أو السلع مكتملة الصنع، فهل تستلهم مصر التجربة الأوروبية في تطوير السكك الحديدة كما فعلت من قبل حينما أصبحت ثاني دولة في العالم امتلاكا لخطوط السكك الحديدة؟

تعليقات الزوار