• رئيس مجلس الإدارة
    د . محمد أحمد صالح
  • رئيس التحرير
    محمد طرابيه
د. محمد أحمد صالح يكتب : أسرار الإختلاف بين التقويم القبطى والميلادى
د. محمد أحمد صالح يكتب : أسرار  الإختلاف بين  التقويم القبطى والميلادى

 

ما السبب وراء  اختلاف موعد الإحتفال بمولد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام  ؟ وما السر وراء وجود موعدين للإحتفال أولهما يوم 25 ديسمبر والثانى يوم 7 يناير ؟ وهل هناك فارق بينهما ؟ وما هو ؟ ومن أين جاء ؟ . هذه التساؤلات تدور كل عام فى أذهان الكثيرين منا فى مثل هذه الأيام من كل عام . ولذلك قررت البحث عن إجابات شافية  عن هذه التساؤلات الحائرة .

فى البداية نشير إلى أن توقيت الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، هو توقيت رمزي لا تاريخي، فلا أحد يعلم علم اليقين تاريخ ولادة المسيح، والنصوص الأربعة للإنجيل قدمت بعض المعطيات عن ظروف ميلاد السيد المسيح، لكنها لم تورد تفاصيل عن تاريخ ميلاده.

ورداً على السؤال المتكرر كل عام : لماذا يحتفل المسيحيون الغربيون بالميلاد يوم 25 ديسمبر بينما يحتفل المسيحيون الشرقيون بنفس العيد يوم 7 يناير ؟ , نشير إلى أن الإجابة ببساطة تتلخص فى أن مجمع نيقية (مجمع كنسى لمناقشة الأمور المسيحية) حدد يوم 29 كيهك للاحتفال بميلاد السيد المسيح..وكان ذلك عام 325 ميلادية.. وكان اختيار هذا اليوم لبعده عن عيد البشارة (بداية حمل السيدة العذراء) بتسعة أشهر هى مدة الحمل ولأن هذا اليوم هو الأطول ليلا والأقصر نهارا فى السنة كلها , على أن يتم تحديد موعد ميلاد يوحنا المعمدان (النبى يحيى) يوم 25 يونيو الذى يمثل اليوم الأطول نهارا والأقصر ليلا فى السنة كلها..وذلك حيث ولد المعمدان قبل السيد المسيح بستة أشهر...وبذلك يتحقق قول يوحنا عن السيد المسيح (ينبغى أن ذلك يزيد وأنا أنقص (يو 3: 30)) حيث يزيد النهار وينقص الليل اعتبارا من يوم 25 ديسمبر يوم ميلاد السيد المسيح..

واستمرت الكنيسة فى العالم كله تعيد لميلاد المسيح فى 29كيهك الموافق 25ديسمبر حتى عام 1582م عندما لاحظ العلماء أن يوم 25 ديسمبر (عيد الميلاد) ليس هو الأطول ليلا والأقصر نهارا حيث يوجد فارق قدره عشرة أيام تستوجب حذفها حتى يكون ميلاد السيد المسيح فى اليوم المقصود.

بالبحث عن سبب هذا الخلل تبين أنه خطأ فى حساب مدة السنة (مدة دوران الأرض حول الشمس) حيث كان المعتقد أنها تساوى 365 يوما وربع (6ساعات).. ولكن العلماء تبينوا أن الأرض تدور حول الشمس فى مدة قدرها 365 يوما و5 ساعات و 48 دقيقة و46 ثانية بمعدل خطأ 11 دقيقة و14 ثانية كل عام .

وقد تسبب هذا الفارق فى مشكلتين:

الأولى:أن التاريخ السابق يتضمن عشرة أيام يجب حذفها..

وهنا تم حذف الأيام العشرة من شهر أغسطس 1582 فنام الناس ليلة الخامس من أغسطس واستيقظوا صباح الخامس عشر من نفس الشهر..

ولأنه التعديل تم فى عصر البابا غريعوريوس فقد سمى التقويم بالغريغورى بدلا من اليوليانى..

الثانية:تتعلق بالمستقبل لأن الفارق سيتم استمراره لتعود المشكلة بعد قرون لتصبح أياما مرة أخرى بدلا من ال11 دقيقة و14 ثانية التى تحدث كل سنة..

وللتغلب على المشكلة قرر العلماء تجميع هذه الدقائق والثوانى فوجدوا أنها تعادل 72 ساعة تقريبا (ثلاثة أيام) كل 400 سنة (أربعة قرون) لذلك قرروا حذف الأيام الثلاثة بواقع يوم كل قرن ثلاثة قرون متتالية وترك القرن الرابع كما هو.. لذلك يتم تحويل السنوات المئوية (1600..1700..1800..1900..إلخ) لسنوات بسيطة بالقسمة على 400 بدلا من القسمة على 4.. وبناء على ذلك فقد تحولت السنوات 1700 و 1800 و1900 لسنوات بسيطة بعد أن كانت كبيسة... ولأن مصر لم تقم بتعديل التاريخ حدث فارق قدره 13 يوما (10 أيام تم حذفها سنة 1582 وثلاثة أيام تم حذفها فى ثلاثة قرون متتالية).. قام الإحتلال الإنجليزى بحذف الأيام ال13 دفعة واحدة أثناء احتلاله لمصر فترتب على ذلك أن 29 كيهك الذى يمثل عيد الميلاد أصبح موافقا ليوم 7 يناير بدلا من 25 ديسمبر.. ومع إصرار الكنيسة المصرية على التمسك بيوم 29 كيهك كذكرى للميلاد فقد أصبح العيد فى مصر 7 يناير بينما فى الدول الغربية 25 ديسمبر.

من ناحية آخرى يسأل الكثيرون : متي بدأ التقويم الميلادي؟ , ورداً على هذا السؤال , نشير إلى أن المؤرخين  كشفوا أن العادة كانت قد جرت على أن التقويم يوضع للملك أو الإمبراطور، فكان يقال في السنة العاشرة لحكم الملك "س" أو في السنة الثالثة لحكم الإمبراطور "ص". وربما أنه في مجمع نيقية سنة 325م تولدت الفكرة من جعل تقويم الإمبراطورية الرومانية يرجع إلي ميلاد السيد المسيح.    

ودأب الراهب "ديونيسيوس أكسيجويس" علي تحقيق هذا، ولقد قسم هذا الراهب تاريخ البشرية إلي حقبتين، الأولي ما قبل ميلاد الرب يسوع وأسماها قبل الميلاد (ق. م.) والثانية ما بعد ميلاد الرب يسوع  وأسماها باللاتينية (Anno Domini) ومعناها في سنة الرب واختصارها باللغة الإنجليزية"A. D."  وبالعربي ميلادية أو حرف " م".

ولقد حسب هذا الراهب أن السنة التي ولد فيها الرب يسوع مساوية لسنة 754 من إنشاء مدينة روما واعتبرها السنة الأولي في التقويم الميلادي.  وبدأ في إعادة حساب معظم الأحداث التاريخية علي هذا المنوال، وسنة 50 قبل الميلاد تكون أحدث من سنة 60 قبل الميلاد، وعكس ذلك في السنوات الميلادية. وقد بدأ العمل بهذا التقويم الميلادي في سنة 532 ميلادية.

   وهنا يثار سؤال مهم :  ما هو الاختلاف بيننا وبين الغربيين في الاحتفال بعيد القيامة؟

وردا على هذا السؤال  أوضح الدكتور رأفت فهيم جندى فى دراسة له بعنوان " التقويم القبطى "  أن  عيد القيامة ليس له تاريخ ثابت في التقويم مثل عيد الميلاد ولكنه يختلف من سنة إلي أخري. والاختلاف بيننا وبين الغربيين في توقيت عيد الميلاد هو بسبب حسابي تقويمي، ولكن الاختلاف في ميعاد عيد القيامة سببه عقائدي. إن الأقباط وكل الشرقيين يربطون عيد القيامة بالفصح اليهودي كما أوصي الرب موسى (لاويين 23: 10 – 12) والغربيون يربطون القيامة الآن بتمام القمر بعد 21 مارس.

     إن صلب الرب يسوع كان في يوم الفصح (14 من شهر نيسان) وقيامته كانت في 16 نيسان من التقويم العبري وكان يوم الصلب جمعة، ويوم القيامة أحدا.  ولقد كان الرب يسوع هو الفصح الحقيقي الذي ظل اليهود يعيدون له رمزيا منذ الخروج من مصر.

    ولقد كان هناك خلاف بين الكنائس في أول الأمر علي توقيت الاحتفال بعيد القيامة، فبعض الكنائس  رأت أن تثبت ذكري يوم الصلب ويوم القيامة في 14 و16 نيسان بغض النظر عن كونهما يومي جمعة أو أحد فقد يقع يوم الصلب يوم سبت أو أحد… الخ، وأصرت كنائس أخري ومن بينهم كنيسة الإسكندرية علي تثبيت ذكري يوم الصلب يوم جمعة، والقيامة بالتالي تكون يوم أحد، ويكون هذان اليومان بعد تمام القمر في شهر نيسان حتى لا نعيد مع اليهود في نفس اليوم.

    إن عيد الفصح اليهودي له علاقة بالحصاد ولأن الشهور العبرية هي شهور قمرية كانت تأتي السنة العبرية مبكرا بحوالي 11- 12 يوما كل عام. واليهود كانوا يضيفون شهرا لتقويمهم كل ثلاث سنوات لتصحيح هذا الخطأ التقويمي، أي أن السنة العبرية هي 12 شهرا لمدة سنتين و13 شهرا في السنة الثالثة وبهذا حولوا السنة العبرية إلي سنة شمسية مع احتفاظهم بالشهور القمرية.

    ولقد توصل الفلكي الإسكندري" بطليموس الفرماوي" إلي حسبة لتحديد توقع البدر كل سنة في شهر نيسان العبري، وكان هذا في أيام البطريرك القبطي ديمتريوس الكرام وأطلق علي هذه الحسبة الحساب الأبقطي (عمر القمر في أول توت كل عام) ويطلق عليها أيضا حسبة الكرمة نسبة للبابا ديمتريوس الكرام.

وعندما انعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م كان من جدول أعماله توحيد الاحتفال بعيد القيامة كل عام بين جميع الكنائس. ولقد أعطي المجمع النيقي الأول هذه السلطة إلي البطريرك القبطي لتحديد عيد القيامة من كل عام وإبلاغ الكنائس الأخرى وذلك لتقدم الأقباط الفلكي في تلك الأيام.

وظل المسيحيون في العالم كله يعيدون عيد القيامة في يوم واحد طبقا لهذه الحسبة، حتى أدخل البابا إغريغوريوس نظام التوقيت الإغريغوري في القرن السادس عشر فرأي أن يعيد للقيامة في أول أحد يكون بعد اكتمال البدر و ذلك بعد الاعتدال الربيعي في 21 مارس من كل عام. ولقد سايره البروتستانت الغربيين في ذلك من القرن الثامن عشر وظل الأقباط والأرثوذكس الشرقيين يعيدون به علي نظام الفصح.

وعيد القيامة للغربيين يكون ما بين 22 مارس و25 أبريل كل عام، وعيد القيامة للأقباط والشرقيين يأتي عادة بعد ذلك، وند أن يكونا في نفس الوقت، ولا يكون أبدا قبل عيد الغربيين.

وإن كان علي الأقباط أن يغيروا من التقويم القبطي لكي ما يساير التقويم الإغريغوري خاصة في حساب عيد الميلاد فإن الغربيين عليهم أن يغيروا عيد القيامة لهم لكي يطابق علاقة صلب الرب يسوع بالفصح اليهودي  الذي كان يرمز للمسيح  لمدة حوالي 1400 عاما وتحقق بموته علي الصليب.

تعليقات الزوار