• رئيس مجلس الإدارة
    د . محمد أحمد صالح
  • رئيس التحرير
    محمد طرابيه
فاروق جويدة يكتب : الفضائيات المصرية .. بين البيع والإفلاس
فاروق جويدة يكتب :  الفضائيات المصرية .. بين البيع والإفلاس

تعتبر الأزمة المالية أخطر ما يهدد استمرار الفضائيات المصرية بعد أن تجاوزت ديونها أرقاماً مزعجة وصلت إلى بلايين الجنيهات .. كان من الصعب أن تبقى هذه الفضائيات تؤدى دورها فى ظل حالة من التردى والتراجع فى سياستها المالية والفنية بعد أن دخلت فى حالة من التخبط المالى والإداري وأصبحت عاجزة تماما عن سداد ما عليها من مستحقات للعاملين فيها حتى الأجور والرواتب .
كانت بداية الفضائيات المصرية بداية ناجحة واستطاعت فى سنوات قليلة أن تجمع الملايين من المشاهدين وأن تقدم إعلاما حديثا معاصرا وأن تتبنى قضايا الوطن بحرفية عالية وأداء مميز وانتماء وطنى صادق.. وفى هذه البدايات قدمت الفضائيات المصرية مجموعة من الوجوه التى لعبت دوراً كبيراً فى تنمية الوعى وتنوير العقول وقد شهدت هذه الفترة صعود عدد من الوجوه التقليدية التى شاركت فى بناء صرح التليفزيون المصرى بكل قدراته المميزة..
كان التليفزيون المصرى هو المدرسة التى تخرجت فيها كل الأسماء الكبيرة التى ظهرت على الفضائيات المصرية والعربية الصاعدة .. لا يوجد اسم كبير على شاشات الفضائيات لم يبدأ مشواره من التليفزيون المصرى فى ماسبيرو، وبجانب هذه الأسماء كانت هناك إضافات حقيقية من المخرجين والمصورين وفرق الإعداد وكلها من أبناء ماسبيرو لحما ودما وخبرة .
كانت بداية الفضائيات المصرية بداية مدروسة على أسس اقتصادية وفنية وإعلامية سليمة .. وجاءت فى نطاق محدود لم يتجاوز قناة أو اثنتين أو ثلاث قنوات فى أعلى التقديرات .. ولابد أن نعترف أن هناك مساحة من الحريات أتيحت لهذه القنوات فى ظل مناخ سياسى وفكري كان أكثر انفتاحا وحرية رغم كل ما ظهر فيه من الخطايا والأخطاء على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل إن هذه الفضائيات كانت وراء كشف الكثير من الحقائق حول سياسات وتجارب خاطئة تصدت لها الفضائيات بكل الثقة والموضوعية ..
كانت هناك لحظات فارقة فى مسيرة الفضائيات المصرية كان لها دور ايجابي على المستوى السياسى وفى ظل مناخ شاركت فيه بطرح الكثير من القضايا فى الحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وقد نجحت فى تحريك المياه الراكدة فى ذلك كله ..
حين أطلت على مصر موجات وحراك سياسى غير مسبوق وقفت الفضائيات المصرية وكان لها دور بارز فى كشف الحقائق والتعبير عن إرادة الشعب وهنا لا احد ينكر دورها فى ثورة يناير وتأييدها المطلق لثورة 30 يونيو ثم كان الدور الأكبر فى مشاركتها بقوة فى خلع نظام الإخوان المسلمين حين وصلوا إلى السلطة فى مصر .. لا أحد ينكر دور الفضائيات المصرية فى زيادة درجة الوعى لدى المواطن المصرى والعربى..
فى المقابل ومع اتساع مساحة هذه الفضائيات وعددها كانت هناك سلبيات كثيرة من بين هذه السلبيات كان التوسع الشديد فى البرامج السطحية التى وصلت إلى حد السذاجة ومنها الجرائم والعفاريت والحوارات بلا فكر أو رؤى ثم كانت برامج ال «توك شو» وإن بدأت جادة وانتهت إلى جلسات المساطب حتى فقدت جمهورها وتأثيرها.. وكان اخطر ما فى ذلك ظهور الفضائيات الدينية وما تركته من آثار سلبية فى تشويه وتضليل الناس فى دينهم وعقيدتهم.. ومع اتساع مساحات السذاجة على الشاشات كان من الضروري أن تتراجع نسب المشاهدة وأن يبدأ تأثير الفضائيات فى التراجع وهنا هبطت عليها أزمات كثيرة أهمها مايلى:
كانت الأزمة المالية أخطر ما أصاب الفضائيات المصرية فلم تعد قادرة على سداد مستحقات العاملين فيها أو المتعاملين معها أو إنتاج أعمال فنية راقية وهناك تقديرات تؤكد أن حجم الديون على الفضائيات المصرية تجاوز مبلغ مليارى جنيه، وهنا بدأت سلسلة من القضايا والشيكات المضروبة أمام المحاكم والقضاء.
أمام الظروف المالية التى وصلت إلى حالة من الإفلاس بدأت صفقات بيع سرية بين الفضائيات وبعض الجهات الرسمية السيادية، وللأسف أن هذه الصفقات لم يعلم أحد عنها شيئا خاصة أن سداد الديون والمستحقات مازال يطرح سؤالاً حول مستحقات العاملين وهل هى عند الملاك القدامى أو الملاك الجدد.. وفى كل الحالات ساءت حالة الفضائيات فى وجود حالة من الغموض عن مستقبلها فى ظل إدارة جديدة لم تفصح عن وجهها وإن كانت صاحبة السلطة والقرار وإن انعكس ذلك بشدة على مستوى الأداء الفنى حيث تراجع المستوى بشدة ولا أحد يعرف أسباب ذلك وإن كان الدعم واضحا لبعض الفضائيات دون الأخرى سواء فى مستوى الإنتاج أو ما تقدمه من البرامج أو الدعم المالى .. وهنا اختلف أسلوب التعامل ولم يعد لأصحاب الفضائيات كلمة فى إدارتها كما أن الإدارة الجديدة تتعامل بسرية خاصة أقرب للغموض.
لا احد يعرف الآن من المسئول عن إدارة الفضائيات المصرية وأين ملاكها القدامى ولماذا لا يظهر على الساحة الملاك الجدد ولماذا لا تعلن صراحة عن خططها وأهدافها فى ظل حالة من الارتباك وغياب الرؤى خاصة أن نشاط مثل هذه المؤسسات ينبغى أن يقوم على الخبرة والإدارة والتمويل وغير ذلك من جوانب النشاط الإعلامي.
وفى ظل هذا الارتباك فى التخطيط والإدارة والتمويل والهدف ظهرت أزمة الإعلانات وهى أهم مصادر تمويل الفضائيات وبدأت رحلة صراع طويلة من يكون الأقدر على الحصول على الإعلانات ولم يكن غريبا أن تدخل الفضائيات معركة تكسير العظام من أجل الحصول على الإعلانات بل تدخلت أطراف أخرى استطاعت أن تملى قراراها على من يحصل ومن لا يحصل على نصيبه من الإعلانات..
لا شك أن أزمة الإعلانات تركت آثارها على أداء وإمكانيات الفضائيات المصرية خاصة أن هناك علاقة وثيقة بين إنتاج المسلسلات وأموال الإعلانات وفى شهر رمضان المبارك وحده ينفق مليارا جنيه على إنتاج المسلسلات ومعظم هذا المبلغ يتم تمويله من حصيلة الإعلانات.
كانت الفضائيات المصرية فى كل ما تقدم تعتمد على عناصر الكفاءة والتميز والتفرد ولكن للأسف الشديد تدخلت عوامل أخرى فرضت أشخاصا ليس على الفضائيات فقط ولكن على الإعلام المصري كله .. وللأسف الشديد أن ما يفرض على الشاشات ليس الأفضل ولكنها أسباب وخواطر وأدوار حتى تحول الإعلام المصرى كله إلى عزب صغيرة فرضت نفسها على المواطنين .. وفى ظل هذا التوزيع المريب الذى لا يقوم على قدرات أو كفاءات أو قبول تدفقت ملايين الجنيهات على أشخاص لا يستحقون بينما وقف أصحاب الحقوق الضائعة من العاملين على أبوابها يطالبون بحقوقهم ولا يستجيب لهم أحد..
هناك مجموعة من الحقائق ينبغى ألا تغيب عنا ونحن نناقش قضية الخلل والارتباك التى أصابت الفضائيات المصرية وجعلتها مهددة فى وجودها واستمرارها وأداء دورها نوجزها فيمايلى:
يجب أن تحسم نهائيا قضية ملكية هذه الفضائيات خاصة أن أموال الناس صارت سداحا بين مالك قديم لم يقبض ثمن ما باع ومالك جديد لم يسدد حتى الآن ثمن ما اشترى .. هناك فضائيات بيعت أكثر من مرة لأكثر من مالك وأصبحت حقوق الناس حائرة بين ثلاثة ملاك وهذا شىء لا يقبله عقل أو منطق..
ليس من مصلحة الدولة أن تصبح شريكا فى ملكية الفضائيات ولديها مؤسسة ضخمة اسمها اتحاد الإذاعة والتليفزيون وهو أولى بإنفاق الأموال عليه بدلا من شراء أو إنشاء فضائيات جديدة .. إن بقاء هذه الفضائيات حائرة بين الملاك وما يترتب على ذلك من تضارب فى القرارات والإدارة والإنتاج والحسابات الخاطئة يضع نهاية مؤسفة لهذا القطاع المهم فى الإعلام المصرى.
إن فرض الأشخاص على المشاهد لا يتناسب أبدا مع الحديث عن الحريات لأن المشاهد هو الذى يحدد ما يريد وما يجب .. وفى ظل وجوه مرفوضة وغياب كامل لإدارة مسئولة وأزمة مالية خانقة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمستقبل الفضائيات وسط هذه الظروف الغامضة.
إذا كانت الدولة قد قامت بشراء الفضائيات المصرية فعليها أولاً أن تسدد مستحقات العاملين فيها وأن تسوى المعاملات معهم حتى يمكن لهذه الفضائيات أن تنطلق مرة أخرى وقبل هذا على الدولة أن تنهى صفقات الشراء مع الملاك القدامى لأنها عقود مازالت معلقة ولا أحد يعرف أطرافها الحقيقية ومن صاحب الحق فى إدارة هذه الفضائيات بعد الانسحاب الكامل للملاك القدامى.
من واجب هذه الفضائيات أن تعلن عن المسئولين الحقيقيين عن إداراتها وألا تبقى شيئا غامضا خاصة أن النشاط الإعلامي نشاط واضح ومكشوف وليس فيه أسرار وراء برامج أو شاشات .. إن السرية التى أحاطت ببيع وشراء الفضائيات المصرية يطرح تساؤلات كثيرة خاصة أننا أمام مؤسسات حيوية على درجة كبيرة من الخطورة ولا يعقل أن تشهد كل هذه التقلبات والمتغيرات بعيداً عن الشعب صاحب السلطة والقرار.
لا شك أن للفضائيات المصرية دورا كبيرا يجب أن نحرص عليه والشىء المؤكد أن استقرار هذه الفضائيات ماليا وإداريا وإنتاجيا هو بداية الحل لكل ما تواجهه من الأزمات وهى كثيرة..

تعليقات الزوار